علي بن أحمد المهائمي
114
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
لا يراد بالعطاء الذاتي ما لا يكون بواسطة اسم الهي أصلا ، ( فإنما أريد بالسؤال ) في قولنا ، ومنها ما لا يكون عن سؤال ( التلفظ به ) ، فهو المنفي دون سؤال الحال أو الاستعداد ، ( فإنه في نفس الأمر لا بدّ ) لكل عطاء ( من سؤال إما باللفظ ، أو بالحال ، أو بالاستعداد ) ضرورة أنه لو كان العطاء بدونه لوجب أن يحصل لكل شيء ما أمكن له في نظر العقل ؛ لعموم الجود الإلهي : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] . ثم استدل على ذلك بأن اللّه تعالى إنما فعل ما فعل لاستيجاب الحمد ، وهو لا بدّ وأن يتقيد ، فلو جاز العطاء من غير تقيد سؤال ؛ لجاز الحمد من غير تقيد إذ هو مرتب عليه ، فقال : ( كما أنه لا يصح حمد مطلق ) غير مقيد باسم تنزيه أو اسم فعل ( إلا في اللفظ ) بأن يقول : الحمد للّه فلا يصف اسم اللّه باسم آخر من أسماء التنزيه أو أسماء الأفعال ، ولا يعلق الحمد بأحدهما « 1 » ، ( وأما في المعنى ، فلابدّ أن يقيده الحال ) أي : حال الحامد ، وهو الداعي إلى حمده ؛ لأنه من الأفعال الاختيارية التي لا تقع بدون الداعي ، ( فالذي يبعثك على حمد اللّه ) من نظرك في كماله التنزيهي أو الفعلي ( هو المقيد لك ) أي : لحمدك المطلق في اللفظ يقيده في المعنى ( باسم فعل ، وباسم تنزيه ) على أن يجعلهما في المعنى صفتين لاسم اللّه ، أو متعلقين بحمده ، والعطاء الإلهي يقتضي ذلك . [ والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ، ويشعر بالحال ؛ لأنّه يعلم الباعث ، وهو الحال فالاستعداد أخفى سؤال ، وإنّما يمنع هؤلاء من السّؤال علمهم بأن للّه تعالى فيهم سابقة قضاء فهم قد هيئوا محلّهم لقبول ما يرد منه ، وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم ، ومن هؤلاء من يعلم أنّ علم اللّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها ، ويعلم أنّ الحقّ لا يعطيه إلّا ما أعطته عينه من العلم به ، وهو ما كان عليه في حال ثبوته ، فيعلم علم اللّه به من أين حصل وما ثمّة صنف من أهل اللّه أعلى وأكشف من هذا الصّنف ؛ فهم الواقفون على سرّ القدر . وهم على قسمين : منهم من يعلم ذلك مجملا ، ومنهم من يعلمه مفصّلا ، والّذي يعلمه مفصّلا أعلى وأتم من الّذي يعلمه مجملا ، فإنّه يعلم ما في علم اللّه فيه إمّا بإعلام اللّه إيّاه بما أعطاه من العلم به ، وإمّا أن يكشف له عن عينه الثّابتة وانتقالات الأحوال
--> ( 1 ) إنما خصّ الشيخ رضي اللّه عنه باسم الفعل واسم التنزيه ، لأنّه تعالى أظهر أسماؤه لنا إلا للثناء بها عليه ، فمن المحال أن يكون فيها اسم علمي أصلا لأنّ الأسماء الأعلام لا يقع بها ثناء على المسمّى مع أنّه ما وجدنا للّه أسماء تدل على ذاته ، خاصة من غير تعقل معنى زائد على الذات أنه ما سمى اسما إلا على أحد الأمرين ، إما ما يدل على الفعل ، وإما ما يدل على التنزيه ، وذكره رضي اللّه عنه في الباب التاسع والسبعين وثلاثمائة من « الفتوحات » .